أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

555

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والأصل : « هل تنقمون إلا لأجل إيماننا ، ولأجل أنّ أكثركم فاسقون » ، فلمّا حذف حرف الجر من « أَنْ آمَنَّا » بقي منصوبا على أحد الوجهين المشهورين ، إلا أنه يقال هنا : النصب ممتنع من حيث إنه فقد شرط من المفعول له ، وهو اتحاد الفاعل ، والفاعل هنا مختلف ، فإنّ فاعل الانتقام غير فاعل الإيمان ، فينبغي أن يقدّر هنا محلّ « أَنْ آمَنَّا » جرا ليس إلا ، بعد حذف حرف الجر ، ولا يجري فيه الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه في محلّ « أَنْ » إذا حذف منها حرف الجر ، لعدم اتحاد الفاعل . وأجيب عن ذلك بأنّا وإن اشترطنا اتحاد الفاعل فإنّا نجوّز اعتقاد النصب في « أَنْ » و « أَنْ » إذا وقعا مفعولا من أجله بعد حذف حرف الجر لا لكونهما مفعولا من أجله ، بل من حيث اختصاصهما من حيث هما بجواز حذف حرف الجر لطولما بالصلة ، وفي هذه المسألة بخصوصها خلاف مذكور في بابه ، ويدلّ على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب « النظم » ، فإن صاحب « النظم » ذكر عن الزجاج معنى ، وهو : هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم ، أي : إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنّا على حقّ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم ، وهذا معنى قول الحسن ، فعلى هذا يجب أن يكون موضع « أَنْ » في قوله : « وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ » نصبا بإضمار اللام على تأويل « ولأنّ أكثركم » والواو زائدة ، فقد صرّح صاحب « النظم » بما ذكرته . الوجه السادس : أنه في محلّ نصب على أنه مفعول من أجله لتنقمون ، والواو زائدة كما تقدّم تقريره . وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير ليفهم معناه ، قال الشيخ « 1 » بعد ذكر ما نقلته من الأوجه المتقدمة عن الزمخشري : « ويظهر وجه ثامن ولعله يكون الأرجح ، وذلك أن « نقم » أصله أن يتعدّى ب « على » تقول : « نقمت عليه » ، ثم تبني منه افتعل إذ ذاك ب « من » ، ويضمّن معنى الإصابة بالمكروه ، قال تعالى : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ « 2 » ومناسبة التضمين فيها أنّ من عاب على شخص فعله فهو كاره له ، ومصيبه عليه بالمكروه ، فجاءت هنا فعل بمعنى افتعل كقدر واقتدر ، ولذلك عدّيت ب « من » دون « على » التي أصلها أن تتعدّى بها ، فصار المعنى : وما تنالون منا وما تصيبوننا بما نكره إلا أن آمنا ، أي : إلّا لأن آمنّا ، فيكون « أَنْ آمَنَّا » مفعولا من أجله ، ويكون « وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ » معطوفا على هذه العلة ، وهذا - واللّه أعلم ؛ سبب تعديته ب « من » دون « على » . انتهى ما قاله ، ولم يصرّح بكونه حينئذ في محلّ نصب أو جر ، إلّا أنّ ظاهر حاله أن يعتقد كونه في محلّ جرّ ، فإنه إنما ذكر في أوجه الجر . وأمّا الجرّ فمن ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عطف على المؤمن به ، قال الزمخشري : « أي : وما تنقمون منا إلا الإيمان باللّه وبما أنزل ، وبأن أكثركم فاسقون » وهذا معنى واضح ، قال ابن عطية . « وهذا مستقيم المعنى ، لأنّ إيمان المؤمنين بأنّ أهل الكتاب المستمرين على الكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فسقة هو مما ينقمونه » . الثاني : أنه مجرور عطفا على علة محذوفة تقديرها : ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم وإتباعكم شهواتكم ، ويدلّ عليه تفسير الحسن البصري « بفسقكم نقمتم علينا » ، ويروى « لفسقهم نقموا علينا الإيمان » . الثالث : أنه في محلّ جرّ عطفا على محل « أَنْ آمَنَّا » إذا جعلناه مفعولا من أجله ، واعتقدنا أنّ « أنّ » في محل جر بعد حذف الحرف ، وقد تقدّم ما في ذلك في الوجه الخامس ، فقد تحصّل في قوله تعالى : « وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 517 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 95 ) .